خدمات تفاعلية

تابعونا على "فيسبوك"

الاتجاه الواقعي في الفن... بين المبدأ والقيد الايديولوجي ومتطلبات الحداثة


محمد شرف: فنان تشكيلي لبناني، كاتب باحث في شؤون الفن قديماً وحديثاً.


    ם إنطلقت الثورات في الوطن العربي على نحو لم يكن يتصوره حتى المفرطون في التفاؤل. وإذا كانت بعض التوقعات تقول بأن تغييراً ما لا بد أن يحصل كي يطاول أنظمة إعتقد زعماؤها بسرمديتها، فإن السرعة التي تمت من خلالها عملية التغيير هذه كانت أبعد من كل التصورات.
    تستدعي الثورات، عادة، أشكالاً مختلفة من التعبير. هذه الأشكال، ونظراً لكثرتها وتنوعها، يصعب تصنيفها ضمن فئة واحدة. يقع الفن التشكيلي في عداد الأشكال المذكورة التي يمكن أن تتجسد أيضاً كتابة أو شعراً أو في أنواع أخرى من الفنون، في حال حصرنا التعبير في المجال الأدبي – الفني. لكن الفن التشكيلي يختلف عما عداه من حيث مفاهيمه وأدواته، فهو لا يسمّي الأشياء بأسمائها أحياناً، ولا يعتمد المباشرة بقدر لجوئه إلى الايحاءات والرموز، علماً ان تلك المباشرة قد تكون مطلوبة أحياناً أخرى، حين يكون الوضوح واجباً لا مفر منه.
    يمتلك الفن التشكيلي، في حال كونه تصويراً، مساحة تعبيرية محددة هي اللوحة، أو كتلة حجرية وربما معدنية أو خشبية في حال كونه نحتاً، بصرف النظر عما صارت تلجأ إليه فنون الحداثة، أو ما بعد الحداثة، من تطويع لمواد مختلفة خدمة لأهدافها التعبيرية. لكن هذه المحدودية الظاهرة ليست سوى محدودية مخادعة، إذ يمكّن اللوحة من خلال التكثيف والرمز، أن تؤدي أغراضاً لا يحكمها ضيق المساحة وحدودها الشكلية، وأن تكون عاكسة
لحالة ذاتية أو موضوعية، كما يمكنها، عبر أدواتها الخاصة، أن تعكس واقعاً موضوعياً  "ثورياً"، إذا ما شئنا إطلاق هذه الصفة على الحالة العربية الحاضرة في أكثر من بلد.

آفاق الفن الواقعي
    ما من شك في ان الاتجاه الواقعي كان إرتبط، في أكثر من موقع، بالقضية الاجتماعية والحياتية، وذلك خلال فترة تتجاوز قرناً ونصف من الزمن على وجه الخصوص. عملت تيارات الحداثة، خلال أوقات مختلفة، على نفي الواقعية وإغراقها بجملة من الآراء وردود الفعل وبنظريات لسنا في وارد مناقشتها الآن، علماً بأن بعض مفاصلها تضمنت منطقاً صحيحاً. على أن الواقعية كانت تطفو بعد ذلك على السطح مرتدية أثواباً أخرى، ومتسلحة بأساليب مختلفة. وقد شئنا، في ما سيلي من سطور، العودة إلى بعض محطات الفن الواقعي، لما يمكن أن يكون فيها من دراسة لتجارب ماضية، ومحاولة إستخلاص العبر منها.
    لم تقتصر الواقعية في الفن على مرحلة تاريخية محددة، بل تجلَّت، كظاهرة، بحسب أشكال ومقاربات متباينة في أزمنة مختلفة. لكن العالم الغربي كان شهد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حركة فنية ثورية نظرت إلى الانسان وكل ما يحيط به بطريقة موضوعية تتناقض، من حيث الشكل والمضمون، مع تقاليد أخرى أو تيارات أخرى طغت في الفن والأدب، واعتمدت جمالية مثالية ذات مرتكزات محددة. هذه الجمالية نظرت إلى المحيط الخارجي وحاولت تفسيره، أو تأويله، عبر مثال يبحث عن الخصوصية الفردية، مضفياً على ذاك المحيط "اكسسوارات" تهدف، أولاً وأخيراً، إلى تجميله بصرف النظر عن حيثياته الملموسة وتناقضاته. على هذا الأساس يرى غوستاف كوربيه، أحد أركان التيار الواقعي، إن الواقعية هي تجسيد لما ندركه ونشاهده، رافضاً بذلك تخطي الواقع، في اعتبار أن "جوهر الواقعية هو نفي للمثال".
        في "كسارو الحجارة" و "مغربلات القمح" و"الغازلة" و" محترف الفنان" وغيرها إلتزم كوربيه المبدأ المذكور، لكن واقعيته وجدت في صفوف النقاد والاكاديميين من يعارضها، بدعم من جمهور بورجوازي لا يرى في التصوير سوى مناحيه الزخرفية، ولا يفضّل منه إلاّ السهل القابل للاستيعاب من دون أي جهد. أضف إلى ذلك أن الجمهور، كما يقول الكاتب جول شامبغليري صديق كوربيه، كان يرفض فكرة تخصيص مكان رحب في اللوحة لإناس من عامة الشعب. من هذا المنطلق صار كل ما يتعارض مع الذوق السائد والأخلاق "الحسنة" تُلصق به صفة "واقعي"، مع ما تحمله هذه التسمية من معنى مشين بحسب هؤلاء. وقد رفع كوربيه، حينها، هذه التسمية جهاراً ليعلن حربه الخاصة في معرضه عام 1855، مصرِّحاً برفضه لكل محاولة من شأنها تحديد موضوعاته وخياراته، ومعتبراً أن من واجبات التصوير عكس حقيقة الأشياء على بشاعتها التي قد لا تروق للبعض.
      عليه، صارت الوظيفة الاجتماعية للفن هدفاً معلناً بالنسبة للواقعية كحركة مهيمنة في الأدب والفن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتلتقي عندئذٍ مع التيارات الفكرية المعاصرة، على أن لا يقتصر دورها على تصوير الطبيعة ومشاهد الحياة اليومية فقط، بل كي تتناول أيضاً قضايا الناس الحياتية، وما توّلده الأزمات من تغييرات تطال أوضاع الناس وأحوالهم وتؤدي إلى تناقضات إجتماعية وطبقية واضحة. لذا ليس من قبيل الصدفة أن يُصنف كوربيه كفنان ثوري واشتراكي، وهو كان أعلن في رسالة كتبها عام 1851 :"إنني لست ثورياً واشتراكياً فحسب، بل انني أيضاً ديمقراطي وجمهوري، مؤيد لكل ثورة، وأنا قبل كل شيىء واقعي، صديق للحقيقة الحقة". أما التطبيق العملي لقوله فقد تأكد، عدا عن كونه فناناً واقعياً، من خلال مشاركته النشطة بكومونة باريس 1870.

في "الواقعية الاشتراكية"
    شهدت بدايات القرن العشرين تبدلات جمة في المزاج الفني كانت بدأت، عملياً، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مع ظهور الانطباعية. أدت هذه التغيرات إلى ظهور مجموعة من التيارات والمدارس التي عملت على تخطي الواقعية، تحت عنوان البحث عن الجديد، بهدف تطوير الفن التشكيلي بما يتناسب مع طبيعة العصر ومتطلباته. وهكذا باتت الواقعية تواجه، مع نهاية العقد الأول من القرن الماضي، نقيضاً لها تمثل بالفن اللاصوري الذي إرتبط به تطور الحركة التشكيلية الحديثة، وهذا الفن ما زال موضع جدال، على مستويات مختلفة، حتى يومنا هذا.
    لكن الواقعية كانت إكتسبت، خلال ثلاثينات القرن الماضي، مفاهيم جديدة ترافقت مع حس إجتماعي فرضته ظروف تاريخية، ما دفع الفنان إلى التضامن مع جماعات سياسية ومع أنظمة محددة، ملتزماً أهدافها الاجتماعية وعاملاً، بالتالي، على البحث عن صياغة جديدية للعمل الفني ذات صلة واضحة بالواقع. من هنا تحدد مفهوم "الواقعية الاشتراكية" التي وضعت أمام الفنان مهمة تمثيل الحقيقة في تطورها الثوري، ليساهم، من خلال موقعه كفنان، في عملية تثقيف العمال وفقاً للفكر الاشتراكي. وبحسب ما ورد في "القاموس الفلسفي"، الصادر في موسكو عام 1967: "ان جوهر الواقعية يكمن في الأمانة لحقيقة الحياة مهما كانت صعوباتها... من خلال الارتباط كلياً بنضال الجماهير الكادحة.... ورفض الشكلية والذاتية، وكذلك البدائية الطبيعية " . هذا الأمر "يجعل من الواقعية الاشتراكية أداة جديرة بتثقيف الشعب حسبما يمليه الفكر الشيوعي والواقعية الاشتراكية المبنية على رؤية ماركسية لينينية للعالم".

    هذا من حيث المبدأ، لكن الأعمال النظرية المنبثقة عنه بقيت في العالم الغربي الرأسمالي، كما في البلدان الاشتراكية، أسيرة المفاهيم البورجوازية السابقة للثورة الاشتراكية، ولم يعد الفن أكثر من مجرّد أداة دعائية للمذهب الواقعي، ساهمت في قيامها ما إتفق على تسميتها ب "الماركسية المبتذلة"، أو بتعبير آخر الكيتش الفني الماركسي الذي لم يساهم في تطوير الأبحاث النظرية الفنية، كما كان يفرضه الجوهر الثوري للفكر الماركسي، بل عمل على حصرها داخل أطر ضيقة. ويعيد الباحث حجينيكولاو هذه الهفوة إلى أن المفهوم الماركسي حاول، في هذا الإطار وضمن الظرف التاريخي المعروف، أن يربط الواقعية بمدرسة فنية محددة، جاعلاً من تاريخ الفن تاريخاً يكاد يقتصر على أعمال معينة إعتُبرت تقدمية، من دون الأخذ في الاعتبار خصوصيتها والمرحلة التاريخية المنتمية إليها، والاستقلال النسبي لدرجة الصراع الايديولوجي. هذا المفهوم المنقوص للتطور الفني هو ما جعل جدانوف يتخذ موقفاً سلبياً من الحركة الفنية المعاصرة، رافضاً رفضاً قاطعاً شعارات التيارات الفنية الحديثة كالمستقبلية والتكعيبية وغيرها. وذلك في حين ان السنوات التي سبقت الثورة الاشتراكية، وحتى تلك التي تلتها وصولاً إلى منتصف وحتى نهاية العشرينات، كانت شهدت قيام حركات فنية ثورية في المعنى والبعد الفنيين، ما جعل روسيا حينها، في نظر الكثيرين، مركزاً للفن الطليعي الذي حمل لواءه فنانون من أمثال ماليفتش وغابو ولاريونوف وماتوشين. لكن أعمال هؤلاء إختفت من المعارض الفنية، ولم تعد تُعرَض على الجمهور بعدما مارست الرقابة فعلها، ووُضع الفنانون المذكورون وغيرهم على ما يشبه اللائحة السوداء.
    في هذا الإطار يقول هربرت ماركوز في كتابه " البعد الجمالي"، الصادر في باريس عام 1979، ان الفن ليس بنية فوقية على قدم المساواة مع البنى الفوقية الأخرى. فالفن يتمتع باستقلالية نسبية إزاء المجتمع وقد يكون ثورياً ليس فقط في مضمونه الايديولوجي التقدمي، بل في شكله أيضاً وفي بعده الجمالي. على هذا الأساس يعيد ماركوز الاعتبار للذاتية معتبراً ان الوظيفة النقدية للفن واسهامه في النضال من أجل التحرر يكمنان في الشكل الجمالي. فالعمل الفني لا يكون صحيحاً أو حقيقياً لا بموجب مضمونه ولا بموجب شكله الصافي، بل لأن المضمون أصبح شكلاً. من ناحية أخرى، ومن ضمن الآراء المتباينة المتعارضة مع "الماركسية المبتذلة"، نلاحظ ميلاً إلى إعتبار العمل الفني أكثر من مجرد إنعكاس أمين لظروف سياسية واجتماعية، فبحسب تيودور آدورنو كل فن يسعى إلى التجديد هو فن ثوري. ما من شك في ان مقولة آدورنو في حاجة إلى نقاش من اجل تحديد مفاهيم "جديد" و "ثوري"، لكن مثل هذا النقاش يتطلب حيزاً ووقتاً لا يسمح بهما المجال، وقد نعود اليه في فرصة لاحقة.
    أنتجت "الواقعية الاشتراكية"، بحسب النموذج السوفياتي، أعمالاً ذات قيم فنية متفاوتة، بعضها موجوداً في المتاحف، أما البعض الآخر الذي لم يخرج عن إطار الدعاية الرسمية وتمجيد القائد (ستالين تحديداً)، فلا نراه في أي مكان، إذا ما إستثنينا بعض محطات مترو الأنفاق حيث نشاهد لوحات فسيفسائية بقيت هناك للذكرى والتاريخ ليس أكثر.
بحثاً عن واقعية جديدة
    خلال سبعينات القرن العشرين عملت حركات عديدة، وفي أكثر من مكان، من أجل الانفتاح والتحول نحو فهم جديد للواقعية. وحتى الاشتراكية منها، بعيداً من الانغلاق السابق الذي تقيد بالواقع المرئي وبوضوح الصورة سعياً وراء جمالية محددة لم يطرأ عليها أي تعديل يذكر. هذه المحاولات، المتباينة في أهدافها ووسائلها التعبيرية، قدّمت مبدأ الاقناع والنقض على التعبير نفسه. وقد كانت هذه الحركات، في فرنسا على سبيل المثال، كردّ فعل على ما وصلت إليه مختلف التيارات اللاشكلية، كالبقعية والغنائية وغيرها، من إفلاس واستنفاد لوسائل التعبير. حمل لواء هذه الحركات فنانون من ذوي الميول الواقعية، والنظريات المصطبغة بالماركسية المحدثة، وكان هدفهم تخطي المفاهيم السائدة، واعتبار النضال ضد الثقافة البورجوازية مسألة محورية، عاملين على إعادة النظر في أسس الفن المعاصر، وفي الاطر الاقتصادية والاجتماعية المحددة لمساره العام.
    من دون قيد أو إكراه، حاول ممثلو الواقعية الجديدة، وفي فرنسا دائماً، التوفيق بين الفكر النظري ووسيلة التعبير، وتسخير الفن لأغراض سياسية، مع رفضهم لأن يقتصر العمل الفني على قوانين التناغم الأساسية. لكن هذا لا يعني أن يقتصر الأمر على الموضوعات السياسية، تجنباً للوقوع في فن ملتزم جديد يسهل استيعابه من قبل بورجوازية تعمل باستمرار على إدخال العمل الفني في سوق الاستهلاك، الذي قد يتحكم بالفنان ويفرض عليه شروطاً هو في غنى عنها.

    في كل الأحوال، ثمة أسئلة كثيرة تُطرح يومياً على الفن الواقعي في زمن التطور المذهل للوسائل التقنية والمعلوماتية والرقمية، كما في زمن الثورات القائمة من حولنا، والتي في حاجة لمن يتحدث عنها .... تشكيلياً.ם

الاتجاه الواقعي في الفن... بين المبدأ والقيد الايديولوجي ومتطلبات الحداثة
 
أرشيف الاعداد

العدد الأول
العدد الثاني
العدد الثالث

مجلة الطريق

مجلة فكرية ثقافية سياسية، تستأنف مسيرتها بعد توقف طويل، وتتضمن باقة من الدراسات فكرية والأبحاث والمقالات.
أسسها أنطون تابت عام 1941
- أصحابها:
ورثة أنطون تابت
- رئيس التحرير:
محمد دكروب
- سكرتيرة التحرير:
هيفاء أحمد الجندي
- الموقع الالكتروني:
وسام متى

للتواصل

هاتف/فاكس: 01657751
خلوي: 71505575
صندوق البريد 5175-15 البسطة
بريد التحرير:
editor@al-tarik.com
بريد الموقع الالكتروني:
wmatta1977@gmail.com
كما يمكنكم التواصل مع "الطريق" عبر موقعي فيسبوك وتويتر

للاشتراك في الطريق

الاشتراك السنوي*

لبنان: 50 دولاراً للأفراد و75 دولاراً للمؤسسات.
البلدان العربية باستثناء المغرب العربي: 70 دولاراً للأفراد و120 دولاراً للمؤسسات.
أوروبا والمغرب العربي وأفريقيا: 90 دولاراً للأفراد و120 دولاراً للمؤسسات.
أميركا وأستراليا: 130 دولاراً للأفراد و180 دولاراً للمؤسسات
التحويل:
Beneficiary: Hana Safieh & or Salah Khoury
Account No: LB 19 0108 0000 0000 0061 8249 6002
Address: First National Bank - Sal Mazraa Branch - Cornich Al Mazraa - Achi Bldg
Swift Code: Finklbbe

* الأسعار تشمل أجور البريد