صورة الطفل في أدب الأطفال اللبناني
هالة البزري: كاتبة باحثة- تعمل في المكتبة الوطنية اللبنانية، وتوجه اهتماماً خاصاً للكتب الموجهة للأطفال.
ם تعددت البحوث والدراسات والطاولات المستديرة في بيروت في السنوات الأخيرة، محاولةً تحديد ‘لون’ النشر الموجه للصغار. فقد ظهر الكتاب المعاصر للطفل في لبنان دون سابق قرار أو تحضير أو تنسيق من أي نوع كان. كل على هواه، كل لسبب في نفسه، قرر ناشرون شبان خوض المغامرة، فنجحوا، مشجعين بذلك بعض الدور القديمة التي تعودت إصدار الكتب التقليدية أن تجدّد نفسها، أو على الأقل أن تحاول. وتزامن هذا الانتعاش في النشر مع حركة نشيطة ومنشطة من قبل وزارة الثقافة وجمعيات أهلية ثقافية أو تربوية وتجمعات مكتبية وعدد من المراكز الثقافية الأجنبية في لبنان. في ظل هذه الحركة الصحية لكتاب الطفل، أتت حركة أخرى لأرباب هذا المجال، قائمة بصورة خاصة على التنافس بين الناشرين، وأحيانًا بين المبدعين ذاتهم.
سنة 2004 صدر العدد صفر من مجلة ‘همزة وصل’ الفصلية، عن جمعية ‘بيت الكتاب’ في بيروت. هي مجلة نقدية تعنى بشؤون كتب الأطفال الصادرة في لبنان. إستمرت تحت هذا الإسم إلى أن صارت تصدر كملحق فصلي لجريدة "النهار" وصار اسمها "قراءات صغيرة" (توقفت عن الصدور سنة 2010 لأسباب مادية). انطلقت هذه المجلة نتيجة لواقع لحظَه عدد من هواة الكتب المصورة، وهو أن هذا القطاع صار له وجود في لبنان، وأن هذا الوجود أصبح ملحوظًا لا يصح التغاضي عنه.
أول كتاب لفت النظر كان "قصة الكوسى" الصادر عن دار الآداب، تأليف سماح إدريس ورسوم ياسمين طعان. كان التجديد واضحًا في هذا الكتاب الأخضر المربع، في نصه أولاً، ولكن أيضًا في رسوماته المميزة وفي إخراجه. ما يلفت النظر اليوم في الكتب المصورة اللبنانية المعاصرة، مقارنةً مع إصدارات القرن العشرين المحلية، هو أن هذه المنشورات الحديثة أدخلتنا عالمًا جديدًا لم يكن له مكان سابقًا في قراءاتنا، هو عالم الكتب الجميلة. فالإبداع في هذه الكتب هو طبعًا بمعانيها، إنما هو أيضًا وقبل كل شيء بالهوية الفنية الجديدة التي يتحلى بها الكتاب، مترجمةً بالرسوم الغنية بألوان عصرية وخطوط غير متوقَّعة. كتب أحيانًا تبدو ساحرة، وغالبًا ما نرى في دقة تفاصيلها وتعدّد أبعادها ومعانيها وحداثة تقنيتها، أن مَن رسمها أتقنها وعايشها وعايش نصها، مجريًا أحيانًا أبحاثًا فنية وتاريخية وسياسية ليصل إلى مبتغاه. فكأن كل صفحة من بعض هذه الكتب يُراد بها أن تكون لوحة فنية من اللواتي توضع في المتاحف.
هذه الورقة تلقي الضوء على "صورة الطفل في أدب الأطفال" في لبنان. ليس عن طريق تقييم جماليات الرسوم الموجهة للصغار، ولا عن طريق البحث في التقنيات المستخدمة، إنما الهدف هو تحليل أعمال الفنانين من حيث الإبداع والمحتوى والمغزى: ما الذي يريد الفنان أن يقوله، ما الذي يقوله ربما عن غير قصد، ما الذي يضيفه إلى النص.
من الصعب تحديد عدد رسامي كتب الأطفال الفعلي في لبنان اليوم الذي قد يصل إلى أكثر من ثلاثين رسامًا كنظرة أولية. أما إذا اعتبرنا رسامًا للصغار كل من نُشر له ولو مرة كتاب للصغار، فمن الممكن أن نصل إلى أكثر من ثمانين رسامًا. لقد كان هناك في لبنان محاولات، قليلة جدًا، من قِبل ناشرين للعمل مع كبار الفنانين على رسم كتب الأطفال. مثال عن ذلك كتاب نجلاء بشَور من منشورات مؤسسة تالة، "قطرة ماء والألوان" الذي رسمه الفنان التشكيلي أمين الباشا. كما أن بعض الرسامين، الذين باتوا اليوم مشهورين في مجال تصوير كتب الصغار، هم أيضًا فنانون تشكيليون يشاركون في معارض أو لهم أحيانًا معارض فردية، أمثال حسان زهر الدين الذي شارك مؤخرًا في ‘معرض الخريف’ الذي يقيمه متحف سرسق، وذلك خريف عام 2010، إلى جانب أسماء كبيرة من الفنانين اللبنانيين اللامعين، أو محمد سعيد بعلبكي، الذي كان له معرض تجهيز فني في غاليري ‘مقام’ في بيروت في الموسم ذاته.
أما رسامي كتب الأطفال في لبنان عمومًا، فغالبًا ما يكونون من خريجي قسم التصميم الغرافيكي في الجامعات اللبنانية، ونادرًا ما يكونون خريجي الفنون التشكيلية. قد يأتون إلى مجال الرسم للأطفال من باب الصدفة، ولكن غالبًا ما يكون ذلك بتشجيع من أساتذتهم الجامعيين الذين يوصون بهم عند الناشرين. وقد يكون البعض الآخر مهندسين أو مجرد هواة.
مما يميز مجال التصميم الغرافيكي – كما هي الحال في مجال الإعلانات – أنه يحدد دور الرسام في إيصال رسالة حمّله فحواها الزبون. عليه عندها أن يبتدع فكرة مصورة تجذب الأنظار بشدة وسرعة، وتدل على فحوى المشروع. يتطلب ذلك فطنة ومقدرة على التحليل، ويتطلب إبداعًا فنيًا. يطبق مصمم الغرافيك هذا النمط عندما يعمل على رسم كتاب للصغار، موظفًا فكره وفنه لوصف القصة وتزيينها.
إلا أن ما يجمع بين هؤلاء الرسامين اللبنانيين مهما اختلفت خلفياتهم الفنية أو الأكاديمية، هو أن مَن منهم عرف كتب الصغار الإبداعية المصورة في طفولته، عرفها باللغات الأجنبية. إذ أن أدب الأطفال باللغة العربية لم يكن بعد محط اهتمام دور النشر خارج الإطار المدرسي – عدا بعض الاستثناءات –، حيث المساحة الكبرى من الصفحة يجب أن تكون من نصيب الكلمة.
علاقة الرسامين اللبنانيين بتصوير الكتاب الموجه للصغار بدأت إذًا بعلاقتهم بالغرب، وهي ما زالت مستمرة، إذ من السهل جدًا اقتناء كتب غربيّة في لبنان، ومن الصعب جدًا أن نجد غير ذلك من النتاج العالمي، آسيويًا كان أو حتى عربي. وهذا التأثير يظهر جليًا في كثير من أعمال الرسامين اللبنانيين، بالإضافة إلى نزعة شرقية عند بعض الفنانين الذين تأثروا بالمنمنمات الفارسية أو بالهندسة العثمانية.
في هذه الكتب، المسماة ‘كتب مصورة’، من المتوقع أن تحتل الصورة المكان الأساسي، حتى ولو كلف ذلك تحويل النص إلى سيناريو لها. فمن المتوقع أن الكاتب، عندما يعرف أن نصه سيكون كتابًا مصورًا، سيأخذ بعين الاعتبار الشكل النهائي للكتاب، يقلص نصه، يقلل الكلام فيه، ويترك فسحة للخيال، خيال الرسام. ومن النادر أن يقوم كتاب مصور في لبنان على شخص واحد نصًا ورسمًا، مع العلم بأن الكتاب الناتج عن عمل شخص واحد غالبًا ما يكون عملاً إبداعيًا بامتياز، بفضل التماسك والانسجام التامَين بين الفكرة المكتوبة والفكرة المرسومة، حيث الرسم يولد في خيال الفنان مع النص.
في العام 2006، صدر في بيروت عن دار أصالة كتاب "في مدينتي حرب"، من تأليف فاطمة شرف الدين ورسوم الألماني توماس بروم. سنة 2008 اشترت دار ميجاد البلجيكية حقوق النص، ونشرت الكتاب برسوم الفنانة البلجيكية كلود ك. دوبوا. في الطبعة العربية، تُظهر الرسوم البطل صبيًا، وهو فتاة في رسوم الطبعة الفرنسية. ألوان الطبعة العربية حادة قوية، يطغى عليها الأخضر والأحمر والأسود فتذكرنا بعلم فلسطين. وجود امرأة محجبة، تدلي بسلة من نافذتها لتأخذ الخضار من بقال أصلع ذي شاربين أسودين، يحدد نسبيًا مكان الحدث، أو هويته. الرسوم حية جدًا بالرغم من غياب طبقات الألوان، فهي نفذت على الكومبيوتر. كما أن حجم الكتاب المميز (20سم طولاً و28 عرضًا)، مع رسم قدم العسكري المائلة على الرصيف حيث يمشي بخطى عريضة، يعطي انطباع حركة وحيوية في القصة. ويعطي، بالأخص، الشعور بأن هذه الحرب التي في مدينتي، ما زالت قائمة.
أما الطبعة البلجيكية فهي مربعة (22سم)، مرسومة بدرجات من اللون البني، على غلافها فتاة تتطلع من نافذة مربعة هي أيضًا تبدو وكأنها لوحة، إلى ما يحدث هناك، في البعيد. تستمر الرسوم في الكتاب مؤطرةً بأساليب عدة، مكعبات واضحة الأطراف وكأنها صورة في إطار للصور الفوتوغرافية حينًا، أو غشاوة حول الشخصيات وكأنها من الذاكرة حينًا آخر، تزيد معها شعور القارئ أن ما تقوله الفتاة الصغيرة إنما هو حكاية قديمة انتهت منذ زمن طويل. وتنتهي القصة بصفحتين تملؤهما اللوحة النهائية. هنا انتهى الإطار، الرسم يملأ الصفحة والفتاة جالسة على تلة مقابل البحر، تحلم، وكأنها في كل الصفحات السابقة كانت تخبر قصة قديمة، كجدّة تخبر أحفادها قصتها خلال الحرب العالمية الثانية. لقد غيرت رسوم النص الفرنسي نهائيًا معالم القصة، واضعةً حالة الحرب في زمن كان، بالرغم من أن النص المترجم كان مخلصًا بمعناه للنص العربي، وكتب بصيغة الحاضر.
غالبًا ما تكون الصورة أكثر تعبيرًا من الكلمة، وقصة "في مدينتي حرب" خير مثال على ذلك، حيث نرى إمكانيات النص الواحد كما يظهرها رسّامان مختلفان، لكل منهما علاقة معينة مع موضوع النص، هي، هنا، على الأرجح سياسية وتاريخية. فبموجب هذه العلاقة المسبقة، تختفي براءة الفنان الذي ‘يرسم كتبًا للصغار’، لتحل مكانها رسالة عابقة بهواجس إنسان يستخدم أحيانًا الريشة ليقول كلمته.
تأسست دار الآداب عام 1956 كمشروع أدبي قومي سياسي، كانت تنشر في السبعينيات من القرن الماضي بعض الكتب للصغار لعدة مؤلفين، ثم توقفت لتعود ابتداءً من العام 2004 مع كتب جديدة جميعها من تأليف سماح إدريس، إبن مؤسس الدار. فعلى سبيل المثال، أصدرت الدار عام 1978، أي في بداية سني الحرب اللبنانية، كتابًا عنوانه "غنوا يا أطفال...."، وهو مجموعة قصائد لسليمان العيسى، من رسوم فائز الشرقي. على غلاف هذا الكتاب صورة صبي وبنت أشقرين يركضان فرحين، وفي صفحة العنوان رسم المؤلف يلبس نظارات ويجلس إلى مكتبه وبيده قلم. يبدأ الكتاب بفعل الأمر، ‘غنوا’، الكبار يملون على الصغار ما يفعلوه، يملون عليهم شعورًا أيضًا، هو شعور الفرح، الذي نراه في وجوه الأولاد في رسوم الداخل. أما الراشد الذي يعطي هذا الأمر، فيراه الولد ما إن يقلب الصفحة، بابتسامة مصطنعة وثياب رسمية. أحلام الكبار وأوهامهم هي التي كانت تتكلم في هذه الكتب. أما الواقع الذي ينقله الكتاب، فهو صورة الحرب الفلسطينية ومقاومة العدو الإسرائيلي.
فإذا نظرنا إلى إصدارات الدار الحديثة، نرى كتابًا آخر لسماح إدريس هو "الكل مشغول"، من رسوم ياسمين طعان أيضًا، حيث يحكي بطل السلسلة الصغير أسامة انزعاجه من عدم اهتمام عائلته به لكثرة أشغالها. منذ بداية عودتها إلى العمل، اختارت الدار أن تتكلم بصوت ولغة أطفال اليوم. فالعنوان هنا يأتي من فم الصبي الصغير انتقادًا، لا من الكبار نصيحةً. والرسوم تشير إلى ما يشعر به الصبي من حزن ووحدة، في إطار أشد ما يكون إلى الواقعية، حيث نرى القنديل المشير إلى انقطاع الكهرباء المستمر منذ عقود في لبنان. أصبح الطفل هنا شخصًا مستقلاً، له رأيٌ يحق له التعبير عنه.
في الكتب المصورة المعاصرة، غالبًا ما يضيف الرسام أفكاره الإبداعية إلى النص. نرى ذلك مثلاً في رسوم لينا مرهج، في قصة "لم أكن أقصد..." من تأليف سمر براج عن دار أصالة، حيث ينتهي النص بصوت الشخصية الرئيسية تعِد : "في المرة المقبلة، قبل أن أقوم بأي عمل طائش سأفكر بالعواقب"، فيشعر قارئ النص،إذا لم يرَ الرسوم، أن الفتاة حقًا نادمة وستكون أكثر انتباهًا في المستقبل. إلا أن الرسوم بعد هذه الكلمات تصور الفتاة تقوم بالحماقة تلو الأخرى، بابتسامة عريضة على وجهها وتلذّذ واضح في معالمها، مستمتعة أشد الاستمتاع بكل أذية تقوم بها، دون ندم. وكأن الرسامة تقيم بذلك جسرًا بين الطفل وبينها، لا مكان للكاتب أو للأهل فيه، هو مساحة من التواطؤ الصامت بينهما.
يكون الإبداع أيضًا مغامرة متكاملة، يعيشها الفنان من الغلاف إلى الغلاف. نرى ذلك في بعض الكتب الصادرة مؤخرًا في لبنان، مثلاً في كتاب "الخربشة"، وهو حائز على وسام شرف في معرض بولونيا لكتب الأطفال عام 2007، من ‘خربشات’ رينا قرانوح ونص ندين توما. فهذا الكتاب الحالم، يخلق عند الصغار – وعند الكبار – القدرة على دخول عالم المشاعر من باب الفن الحرّ، حيث يغلّف العملُ الفني الكتاب بكامله. كما نرى هذا التكامل في العمل أيضًا في رسوم فرح نعمة لكتاب نسرين عجيل، "كيف تعلمت الكتابة"، عن دار سمير. فالنص هو ذكريات قديمة لفتاة أصبحت اليوم كبيرة، والرسوم تأخذنا إلى عالم طفولتها بألوان خافتة حالمة، ممتدة على مساحة الصفحات العريضة، يتخللها لون فاقع يتكرر، هو اللون الأحمر الداكن. بالإضافة إلى جمالية رسومه، يتميز هذا الكتاب بالتفاصيل الصغيرة التي عملت عليها الرسامة، بهدف الوصول إلى كتاب متكامل، كأن تضيف فتافيت بَرْي الأقلام على صفحات ما قبل النص وبعده، بانسجام تام مع موضوع القصة، وهو الكتابة؛ أو ترسم صورتها وصورة الكاتبة في إطار في الصفحة الأخيرة لترافقا النص الذي يقدمهما. تفاصيل صغيرة تترك انطباعًا للناظر إلى الكتاب بأن مَن عمل عليه كان يتمتع بعمله ويتقنه أيضًا.
هذا الإتقان، والاهتمام بالتفاصيل، وتحويل تجربة نَصية إلى قطعة فنية، والجرأة بخوض مغامرة غالبًا ما تكون مكلفة ومردودها ضئيل نظرًا لصعوبة تسويق الكتاب العربي... هذا هو ما يعطي صورة مشرقة ومتجددة دائمًا لكتب الأطفال الصادرة حديثًا في لبنان. فكتاب مثل "قلب المدينة"، يخوض فيه غسان حلواني مغامرة الفن الهندسي، ويدخلنا إلى عالم هو في آن واحد خرافي وواقعي؛ أو مثل "سبعة و7"، من رسوم فادي عادله (السوري الجنسية)، وهو من روائع الكتب المصورة، إنما قد يكون سوقه محدود، إما بسبب سعره أو لأن نصه مكتوب بالعامية اللبنانية (الكتابان من تأليف ندين توما). هذه الكتب تشكل مغامرة كبيرة في نشرها كما في العمل عليها، إلا أنها من المغامرات التي تُدخل مجال أدب الأطفال إلى عالم جديد، هو عالم الذوق والإبداع والتفوق على الذات، حيث كل صفحة فيها، مؤلفة من لوحة قد يكون لها مكانها في متحف للفن التشكيلي.
كذلك الأمر بالنسبة لقصة "هل هذه صورة شمسية؟" من رسوم أريج محمود ونص ندين توما، حيث تملأ الصفحات رسوم ذكية رائعة تعبّر عن خيال لا حدود له، وتحديدًا، عن خيال لا يحده الناشر، أو السوق، أو سنّ القارئ، أو غيره من الضوابط التي تعيق دومًا الإبداع في طريقه إلى متذوّقيه. هذه الكتب، بالإضافة إلى "الخربشة"، جميعها من منشورات دار قنبز التي تأسست عام 2005 لتعرض للقارئ العربي نظرة مختلفة لكتب الصغار، عبر النص والرسوم، ومن خلال إخراجٍ وطباعة فائقي الجودة.
إذا وضعنا أمامنا عددًا من الوجوه المستخرجة من القصص المرسومة في لبنان، لحظنا أن الملامح تلفت الأنظار بـ‘لبنانيتها’، أي تنوعها أو تعدديتها. فغالبّا ما تكون البشرة سمراء، والعيون تُرسم عامة أكبر مما هي عليه في الكتب الغربيّة، ويكون لها أهداب طويلة قد توحي أحيانًا بأن الصبي المرسوم هو أنثى. الشَعر كثيرًا ما يكون أسود أو بني. نلاحظ عامة أن شعر النساء والفتيات في الرسوم طويل، وأحيانًا طويل جدًا (يكفي زيارة مدرسة في لبنان لنلاحظ كم من النادر أن نجد تلميذة أو معلمة شعرها قصير، مهما كانت عصرية ورياضية). أما الرجال، فإما يكون شعرهم كثيفًا جدًا، أو يكونون صلعًا.
الأجسام تلفت برشاقتها، ينطبق ذلك على العجائز أيضًا، وكأن الرسام يحاول أن يخلق من خلال رسومه مجتمعًا شابًا صحيًا، أحيانًا بشيء من المبالغة. في قصص سلسلة حقوقي مثلاً، لنجلاء بشَور من منشورات مؤسسة تالة ورسوم غدي غصن، كل الشخصيات نحيفة وأحيانًا رشيقة، ما عدا القليل من الاستثناءات. وهذه الاستثناءات هي لشخصيات فيها ضعف ما، ضعف صحي أو نفسي، أي أنها شخصيات غير صحيحة، لن تكون المثل الأعلى للقرّاء. فنرى مثلاً أن الشخصية الوحيدة ‘المستديرة’ نوعًا ما في قصة "سرّ ليلى" من هذه السلسلة، هي أخت ليلى المصابة بداء في عقلها، الداون سندروم. والشخصية الضخمة هي الأب الشرير في "ما بال وداد".
أحيانًا نلاحظ أن الحدود المتعارف عليها بين جنسي الذكر والأنثى سقطت، أو ربما فقط تغيرت معالمها، فلم يعد الجسم الرياضي الحر حكرًا على الصبيان، ولا النعومة من الدلالات الحصرية للأنوثة. وهناك حركة دائمة في تعبير الجسد والوجه بصورة عامة. كما نلاحظ أن الشخصيات البشرية تكثر نسبيًّا في كتب الصغار، بالإضافة إلى رسوم الحيوانات أحيانًا. أما الشخصيات الخارجة عن هذا النطاق، مثل الكائنات الفضائية أو الدمى والأشياء الحية، فهي جد نادرة.
نلاحظ أن النحافة والرشاقة والعصرية صفات تطغى في شخصيات كتاب "دَوري بالمساعدة"، قصة أمل فريجي من رسوم ميشال ستاندجوفسكي، من منشورات لغتي النامية.
نرى في إحدى الصفحات مجموعة من النساء يعملن في الحديقة، منهن سيدات مسنات شعرهن رمادي، إلا أن حركة أجسادهن تظهرهن رياضيات متعودات على العمل بخفة. وعند كل واحدة من النساء في هذه الصورة إشارة أنثوية، قد تكون في الحَلَق المتدلّي من آذانهن، أو في النظارات الشمسية أو ربطة الشعر. في هذه الصفحة، نلاحظ شخصيةً تحمل ملامح الذكورة والأنوثة في آن، سيدة مسنّة تلبس نظارات، شعرها قصير ومسّرح بشكل لا يمت للأنوثة بشيء، إنما تلبس الحَلَق في أذنيها. هذه الشخصيات، التي نراها في المجتمع ونحكم عليها بالسوء ما إن نراها، تبدو في كثير من كتب الأطفال المصورة على أنها واحد من الأشخاص الموجودين حولنا، فيه من حسنات ومن سيئات ما في باقي الشخصيات. نرى هنا الدور الذي يلعبه أحيانًا بعض الفنانين في حملنا على تقبّل الآخر، بأسلوب غير مباشر وخالٍ من الموعظة، ومن هنا محبٌّ ومنفتح.
شخصية الأم في سلسلة قصص ‘ياسر’، من تأليف نبيهة محيدلي ورسم حسان زهر الدين عن دار الحدائق، تكسر قاعدة الرشاقة هذه، البعيدة عن الواقع. في "لائحة مشتريات ياسر"، نرى أم ياسر في صورة فوتوغرافية مرسومة، جالسة على كرسي وطفلها في حضنها، جسدها مستدير دون أن يكون سمينًا، جسد امرأة ولدت طفلها وأهملت جسمها بعده، دون أن تفقد ضحكتها العفوية. ثم نراها في الصفحات التالية، تعود من السوق والنظارات الشمسية على رأسها نظارات شمسية وطوق حقيبة يدها يعترض صدرها بشكل أشبه ما يكون للرياضي. ولكن ثوبها يبقى كما هو، مع اختلاف اللون أو النقشة فيه لا أكثر، وذلك في كل صفحات الكتاب، مما يدل على أن هذه المرأة لا تبالي كثيرًا بلباسها أو بمظهرها، وتضع أولوياتها في مكان آخر. كأن الرسام، بتصويره للمرأة خالية من الجماليات المعلّبة، يعيدها إليها جمالها الداخلي؛ وهذا من أمره أن يجعل الطفل يتقبّل الناس دون التوقف عند مظاهرهم.
من النادر أيضًا أن نرى امرأة محجّبة في رسوم الفنانين اللبنانيين. قد نراها في رسوم حسان زهر الدين في بعض الأحيان، وهي ليست المرأة المحجبة عن التزام، إنما بطريقة شبه تقليدية كما تكون الحَجّة المُسنّة، تضع منديلاً على رأسها لا أكثر. فهناك نوعان من الرقابة الذاتية: إذا كان السوق العربي لا يتقبل اللباس غير المحتشم، فلبنان لا يتقبل الحشمة الزائدة. وسوق لبنان، على ضعفه، إلا أنه موجود. والواقع أن عددًا كبيرًا من دور نشر كتب الأطفال في لبنان يمتلكها مسلمون، بينما السوق المحلية مفتوحة لكل الطوائف. فلكي يصل الكتاب إلى كل شرائح المجتمع، عليه أن لا يغرق في أي من المبالغات.
إلا أن بعض القصص قد أفلتت من هذه الرقابة وبقيت على عفويتها. قصة "عالم يسع الجميع" لسماح إدريس من رسوم حاتم إمام، لم تكن ضحية هذه الرقابة الذاتية. أحداث القصة تجري داخل منزل، حيث ترى الفتاة "سيما" فأرة فتخاف منها ويحاول الوالد أن يلتقطها. إبتداءًا من الغلاف، نرى سيما وأختها حافيتَي القدمين وتلبسان تنورة قصيرة جدًا، بشكل يشير بوضوح، وربما عن قصد، إلى حريتهما وعصريتهما. على هامش الغلاف، نرى رسومًا لأشياء تراثية شرقية، كالأركيلة وركوة القهوة والعين الزرقاء. تَناقض المجتمع اللبناني بأسره يبدو جليًا في هذا الغلاف، ما بين الانتماءات الشرقية والتحررات الغربية. في الصفحات الداخلية، نرى الفتاتين وأمهما وأبيهما جالسين على السرير وأرجلهم مرفوعة خوفًا من الفأرة. يبدو عري الأرجل من جديد وعند الأم أيضًا هذه المرة، وتظهر الأقدام العارية في القسم العلوي من الصفحة. ما يجعل هذه الصور مقبولة، هو واقعيتها، فهي أولاً ليست مفتعلة، خاصة وأن القصة تدور في داخل منزل وبين أفراد عائلة واحدة يستطيع كل منهم أن يتصرف على طبيعته مع الآخرين. ثم إنها تنسجم بشكل تام مع حرية النص وعصريته، كما تنسجم أيضًا مع سائر الرسوم. ففي إحدى الصفحات مثلاً يبدو الوالد مع بنتيه، حافيين الأقدام جميعًا، وسيما تأكل الكريما بإصبعها، وفي صفحة أخرى يظهر الوالدان متنكران ويحملان أدوات منزلية لالتقاط الفأرة، بشكل يبعث على الضحك، وكل هذا من دلالات علاقتهم المتحررة مع ذاتهم، والطريقة العصرية التي يربيا بها ابنتيهما. كما أن التحرر البادي في الرسوم يتماشى تمامًا مع موضوع القصة الأساسي، وهو حق العيش للجميع. فسيما الخائفة من الفأرة، تعمل المستحيل لإنقاذها.
في هذه الكتب، تتكرر صورة الأهل المثقفين والملتزمين، أصحاب الرأي والقناعات. في الصفحة الأولى من "قصة الكوسى" مثلاً، نرى كتاب غسان كنفاني البرتقالي الغلاف المشهور، "الآثار الكاملة". نراه على طاولة الطعام في المطبخ بمتناول يد الأم، وكأنها كانت تقرأه وستكمل قراءتها بينما يتناول ابنها غداءه. الكتاب ليس مرسومًا إنما هو صورة رقمية له أُدخلت على الرسم؛ ومَن يعرف الكتاب ويرى الغلاف المألوف بارزًا بشكل واضح على الطاولة في مقدمة رسم الصفحة، يشعر أنه يستطيع أن يمد يده ويتناوله.
بالطبع اختيار غلاف لكنفاني ليس عشوائيًا هنا، بل هو تعبير واضح عن موقف معين، فالمعنيين بكتاب "قصة الكوسى" هم من أنصار القضية الفلسطينية والفكر اليساري القومي. لن يأبه الطفل الذي سيقرأ القصة لمضمون كتاب كنفاني، إلا أن صورة كتلك قد تنطبع في ذاكرته. والأهم، هو أن صورة كتلك ستنطبع حتمًا في رأس من سيكون واسطة بين الطفل والكتاب، أعني الراشدين الذين يؤمّنون الكتاب من أهل ومعلمين ومكتبيين. فيكون بذلك أدى وظيفتين: الأولى أنه أحيا ذكرى القضية الفلسطينية الكلية الوجود في الوجدان اللبناني، الثانية أنه وضع الكتاب أمام الطفل كقطعة من أساسيات البيت إلى جانب الملح والسكر والبن.
نلاحظ في رسوم الكتب التي تتمحور مواضيعها حول الحرب الحاجة لدى الرسام والمخرج والكاتب والناشر، إلى جعل الطفل يشعر بالشفقة تجاه شخصيات القصة. في "على ضوء الشمعة"، قصة سمر براج ورسوم ميرا المير عن دار أصالة، نرى الخوف في وجوه الجميع من كبار وصغار ونرى الأرق في عيونهم. وفي "كيف هي الحياة في الخارج"، قصة سناء حركة ورسوم زينة بغدادي عن نفس الدار، نرى الصبي جميلاً إنما مشوه الوجه، يتيمًا يشعر بالوحدة، خالته مشلولة، أما أمه المتوفاة، فتصورها ذاكرته بكثير من الطهارة وربما شيء من القداسة، تضع منديلاً أبيض نقيًا على شعرها الأسود. أما الجندي حامي الوطن، فنرى ظهره فقط – هو في الوقت نفسه الوالد الغائب، والجندي المجهول. إلا أنه، في هذه الصورة الوحيدة التي يظهر فيها، نراه واقفًا وسلاحُه معلق وراء ظهره: هو يراقب، ربما يحمي، إلا أنه لا يدافع، بل يكتفي بالانتظار.
هنا تجدر الإشارة مجددًا إلى رسوم "قصة في مدينتي حرب"، التي كسرت هذا الحاجز. ألأنّ كاتبة النص، فاطمة شريف الدين، عاشت بعيدًا عن الحرب، أو لأن الرسام – توماس بروم – أجنبي له تحفظات مختلفة عن تحفظات اللبنانيين في ما يخص الحرب، المهم أننا في هذا الكتاب نرى الغضب الصارخ مرسومًا في الوجوه والعيون. غضب المغتصِب المدجج بالأسلحة، في وسط الكتاب؛ والأهم، غضب الضحية، حيث يغطي رأسُ الصبي الصغير الصفحة ما قبل الأخيرة، قبعته تطير من قوة ردة فعله، صراخه يكاد يُسمع من رسم فمه المفتوح كبيرًا، ويداه تنقضّان على المحتل الذي صوّره الرسام هنا صغيرًا راكضًا هربًا في زاوية الصفحة السُفلى.
قد يكون أول ما يستوقف المطّلِع على رسوم كتب الأطفال الصادرة في لبنان، هو أنها مُلفتة للنظر، ليس فقط لجمهورها من القراء الصغار، إنما، بصورة أكثر عمومية، لمتذوّقي الفن. مُلفتة بجماليتها، بفنها، بحداثتها، بجرأتها، بإتقانها، رسمًا وإخراجًا وإنتاجًا. ربما تميزت بعض دور النشر عن غيرها بجودة إنتاجها وباختيارها للرسامين وبمساحة الحرية التي تتركها للرسام. إلا أن الإنتاج ‘المعلّب’، حيث كل الوجوه تشبه بعضها وكل المناظر تأتي كما نتوقعها، أصبح على ما يبدو قريبًا من الانقراض في هذا المجال.
إن التقنيات الفنية - وإن لم تكن موضوع هذا البحث وإنما تجدر الإشارة إليها هنا - هي العنصر الأول الذي يُظهر لنا مدى إبداع هؤلاء الفنانين: إبداع بقلم الرصاص وبالريشة، بالألوان الجريئة كما بالأبيض والأسود، بالقصاصات الملصقات أو بالدمى. وما يسمى بالميكسد ميديا، الوسائل المختلطة. كل شيء صالح، على ما يبدو، ليجربه الرسام، ويحاول أن يتخطى به حدود المتعارف عليه محليًا. فتأتي هذه الأعمال وكأنها حجة له ليجرّب أدواته ويظهر إبداعه ويتحدى طاقاته.
ثم إن الرسوم في هذه الكتب تحكي حكاية ثانية. حكاية، غالبًا ما تفاجئ المؤلف نفسه، لا يتوقعها، أحيانًا تعجبه وأحيانًا يرفضها. إنها قراءة الفنان للقصة. وهذا الفنان، على ما يبدو، لديه الكثير ليقوله، فكأنما هذه القصص تأتي لتسمح له بالتعبير عن أفكاره، وراء ستار الصورة المتعددة التأويلات.
فالرسوم هذه، إنما تنقل لنا حقيقة المجتمع اللبناني بأهمّ قيَمه، وهي التعديدية. تعددية الهويّات والانتماءات، وتعددية الأذواق والطاقات. مع قاسم مشترك، هو الرغبة بهذه التعددية والجرأة في البحث عنها، دومًا.ם
(من دراسة أعدّتها هالة البزري بطلب من مؤسسة أنّا ليند لحوار الثقافات)




